فصل: تفسير الآيات (123- 125):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآية رقم (121):

{وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)}
وقوله عز وجل: {ولا ينفقون} يعني في سبيل الله {نفقة صغيرة ولا كبيرة} يعني تمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط {ولا يقطعون وادياً} يعني ولا يجاوزون في مسيرهم وادياً مقبلين أو مدبرين فيه {إلا كتب لهم} يعني كتب الله لهم آثارهم وخطاهم ونفقاتهم {ليجزيهم الله} يعني يجازيهم {أحسن ما كانوا يعملون} قال الواحدي: معناه بأحسن ما كانوا يعملون. وقال الإمام فخر الدين الرازي: فيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة أفعالهم وفيها الواجب والمندوب والمباح فالله سبحانه وتعالى يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح. والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب وفي الآية دليل على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال العباد.
(ق) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» وفي رواية «وما فيها».
(ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك والذي نفسه محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فأقتل في سبيل الله ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل» لفظ مسلم وللبخاري بمعناه.
(ق) عن أبي سعيد الخدري قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أفضل قال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله» وفي رواية «يتقي الله ويدع الناس من شره».
(خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» يعني حسنات.
(خ) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار».
(م) عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: «جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» عن خريم بن فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف» أخرجه الترمذي والنسائي.

.تفسير الآية رقم (122):

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}
قوله سبحانه وتعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلوا عن رسول الله قال ناس من المنافقين. هلك من تخلف فنزلت هذه الآية ومن كان المؤمنون لينفروا كافة. وقال ابن عباس: أنها ليست في الجهاد ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم فأنزل الله عز وجل الآية يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم إذا رجعوا إليهم فذلك قوله سبحانه وتعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا عما نقول لعشائرنا إذا انلطقنا إليهم فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة فكانوا إذا أتوا قومهم نادوا أن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى أن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما يحتاجون إليه من أمر الدين وأن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام وينذرهم ويبشروهم بالجنة وقال مجاهد: إن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً ومن الحطب وما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يبتغون الخير وقعد طائفة {ليتفقهوا في الدين} ليسمعوا ما أنزل الله {ولينذروا قومهم} من الناس {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} وقال ابن عباس: ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيرون إلا بإذنه فإذا رجعت السرايا وقد نزل في بعضهم قرآن تعلمه القاعدون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآناً وقد تعلمناه فمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا أخرى فذلك قوله سبحانه وتعالى ليتفقهوا في الدين يقول ليتعملوا ما أنزل الله على نبيهم ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون نقل هذه الأقوال كلها الطبري وأما تفسير الآية فيمكن أن يقال إنها بقية أحكام الجهاد ويمكن أن يقال إنها كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد فعلى الاحتمال الأول فقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج للغزو ولم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر فلما بلغ الله في الكشف عن عيوب المنافقين وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سرية يبعثها فلما قدم المدينة وبعث السرايا نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزلت هذه الآية فيكون المعنى ما كان ينبغي للمؤمنين ولا يجوز لهم أن ينفروا بكليتهم إلى الجهاد ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يجب أن ينقسموا إلى قسمين فطائفة يكونون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة ينفرون إلى الجهاد لأن ذلك الوقت كانت الحاجة داعية إلى انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والتفقه في الدين، لأن الأحكام والشرائع كانت تتجدد شيئاً بعد شيء فالملازمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظون ما نزل من الأحكام وما تجدد من الشرائع فإذا قدم الغزاة أخبروهم وبذلك فيكون معنى الآية وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم من غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة مر الله وأمر رسوله وهذا معنى قول قتادة.
وقيل: إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر الله لهم على أعدائهم وأن الله يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه صلى الله عليه وسلم وأن الفئة القليلة قد غلبت جمعاً كثيراً، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم يحذرون فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد تفقهاً في الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن الله هو ناصرهم ومقويهم على عدوهم كان ذلك زيادة في إيمانهم فيكون ذلك فقهاً في الدين. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد وهو ما ذكرناه عن مجاهد أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البوادي فأصابوا معروفاً ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجاً فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني بأس الله ونقمته إذا خالفوا أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون المقصود من العلم والتفقه دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم فكل من تفقه وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وتعلم العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالاً الآية.
(ق) عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله».
(ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه فقاهة إذا صار فقيهاً. وقيل: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه.
وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعاً وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث.
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة» أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة» أخرجه أبو داود.
الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيماً في ملكوت السموات. وأخرجه الترمذي موقوفاً وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة».

.تفسير الآيات (123- 125):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)}
قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب قال ابن عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر ونحوها. وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا مكان الشأم والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. وقال بعضهم: هم الدليم. وقال ابن زيد: كان الذين يلونهم من الكفار العرب فقاتلوهم حتى فرغوا منهم فأمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد. ونقل عن بعض العلماء أنه قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت: {وقاتلوا المشركين كافة} صارت ناسخة لقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} وقال المحققون من العلماء: لا وجه للنسخ، لأنه سبحانه وتعالى لما أمرهم بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم انتقل إلى قتال أهل الكتاب وهم: قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم في الشأم فكان فتح الشأم في زمن الصحابة ثم إنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب تقوى بما ينال منهم من الغنائم على الأبعد.
قوله سبحانه وتعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} يعني شدة وقوة وشجاعة والغلظة ضد الرقة. وقال الحسن: صبراً على جهادهم {واعلموا أن الله مع المتقين} يعني بالعون والنصرة.
قوله عز وجل: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً} يعني: وإذا أنزل الله سورة من سورة القرآن فمن المنافقين من يقول يعني يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه يعني السورة إيماناً يعني تصديقاً ويقيناً وإنما يقول ذلك المنافقون استهزاء وقيل: يقول ذلك المنافقون لبعض المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم أيماناً} يعني تصديقاً ويقيناً وقربة من الله، ومعنى الزيادة، ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته فالمؤمنون إذا أقروا بنزول سورة القرآن عن ثقة واعترفوا أنها من عند الله عز وجل زادهم ذلك القرار والاعتراف إيماناً وقد تقدم بسط الكلام على زيادة الإيمان في أول سورة الأنفال {وهم يستبشرون} يعني أن المؤمنين يفرحون بنزول القرآن شيئاً بعد شيء لأنهم كلما نزل ازدادوا إيماناً وذلك يوجب مزيد الثواب في الآخرة كما تحصل الزيادة في الإيمان بسبب نزول القرآن كذلك تحصل الزيادة في الكفر وهو قوله سبحانه: {وأما الذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى العلاج {فزادتهم} يعني السورة من القرآن {رجساً إلى رجسهم} يعني كفراً إلى كفرهم وذلك أنهم كلما جحدوا نزول سورة أو استهزؤوا بها ازدادوا كفراً مع كفرهم الأول وسمي الكفر رجساً لأنهم أقبح الأشياء وأصل الرجس في اللغة الشيء المستقذر {وماتوا} يعني هؤلاء المنافقين {وهم كافرون} يعني وهم جاحدون لما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال مجاهد: في هذه الآية الإيمان يزيد وينقص وكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه ويقول تعالوا حتى نزداد إيماناً. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وأن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شقتتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.